ابن حزم
383
رسائل ابن حزم الأندلسي
فيما يضرك في أخراك وفي دنياك ، وإن قل ، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم . ولن ( 1 ) يحمدك من ساعدته بل يشمت بك ، وأقل ذلك ، وهو المضمون ، أنه لا يبالي بسوء ( 2 ) عاقبتك وفساد مغبتك . وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك ، وإن قل ، فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة ، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلاً . 155 - إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله عز وجل ، ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الحق ومنافرة الخلق ، فأغضب الناس ونافرهم ، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق . 156 - الاتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب ، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته وصار في أكثر الأمور مغرياً للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجاً وحرداً ومغايظة للواعظ الجافي ، فيكون في وعظه مسيئاً لا محسناً . ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة . فغن لم يتقبل فلينتقل إلى الوعظ بالتحشيم وفي الخلاء . فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحيي منه الموعوظ . فهذا أدب الله تعالى في أمره بالقول اللين . وكان صلى الله عليه وسلم لا يواجه بالموعظة ، لكن كان يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا " ( 3 ) . وقد أثنى عليه السلام على الرفق ، وأمر بالتيسير ، ونهى عن التنفير ، وكان يتحول بالموعظة خوف الملل . وقال تعالى : { ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله ، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد
--> ( 1 ) ص : ولم . ( 2 ) م : سوء . ( 3 ) انظر نموذجاً من ذلك في البخاري ( ايمان : 3 ) .